الإسكندرية كما تحكيها المائدة ج1: المدينة اليونانية وعصر المسامط

Yasmin Wagdy

الإسكندرية كما تحكيها المائدة ج1: المدينة اليونانية وعصر المسامط

> "لا يُستعمل سكينٌ يونانيٌّ، ولا يذوق لحم ثور طاهر إذا كان مقطوعًا بسكينٍ يونانية."

هذه كانت نظرة المؤرخ هيرودوت للمصريين، بل ونظرة العالم كله، فقد كان معروفًا عنهم تمسكهم الشديد بديانتهم وأسلوب حياتهم، وإدراكهم لتفوقهم وتحضرهم، وهذا ما جعلهم ينظرون للآخر الغريب على أنه دون المستوى. لذلك، وبالرغم من تواجد اليونانيين من سنة 663 ق.م في مصر وازدياد عددهم مع دخول الفرس، كانت طريقة الأكل التي لا تتفق مع الطريقة المصرية تعد عارًا، حتى أن دخول المعابد المصرية كان محرمًا على اليونانيين والأجانب بوجه عام.

نقطة التحول حدثت عندما ظهر "الإسكندر الأكبر" على الساحة في صورة المخلص والبطل المنقذ من اللعنة المسماة بالفرس. تمتع "الإسكندر" بالذكاء الكافي لكسب ود الشعب من خلال إظهار احترامه لعقيدتهم وتقاليدهم، حتى كلف نفسه مشقة السفر تحت شمس الصحراء الحارقة ليتم تنصيبه ابن الإله في معبد آمون بواحة سيوة. تعثر في بداية رحلته بقرية صيادين صغيرة تطل على البحر تُدعى "راقودة"، وقد كانت نظرته المستقبلية سببًا في مجيء الإسكندرية إلى الوجود، المدينة التي لن يحالفه الحظ ليراها وهي تبلغ أعلى درجات الشهرة والتطور بين مدن العالم القديم كلها.

مات "الإسكندر" ليبدأ من بعده حكم الأسرة البطلمية الذين أثروا في الحياة الزراعية في مصر بشكل مباشر وواضح. قدموا "الساقية" و"لولب أرخميدس" وهو أداة أكثر فاعلية من الشادوف، استصلحوا العديد من الأراضي الصحراوية وأحضروا نوع قمح جديد لكنه لم ينافس القمح المصري (القمح المصري القديم عُرف بقمح الإيمر ولم يعد موجودًا). بفضلهم، انتشرت زراعة الزَّيتون أكثر من ذي قبل، وتعرَّف المصريون إلى الكمثرى، والخوخ، والتفاح، والمشمش، ونوعٍ من الحمضيَّات يُشبه الليمون، ونوعٍ من أنواع الكريز، بالإضافة إلى بعض المكسَّرات، مثل الجَوز والبندق. كما تم استيراد بذور الكرنب من جزيرة "رودس" لتحسين زراعته في مصر، في حين أمدَّتها مصر بالقمح.

كان الهدف من تلك التَّغييرات هو إمداد العدد الكبير من السُّكَّان اليونانيين في مصر بكل المواد الغذائيَّة التي اعتادوا عليها ويستخدمونها دومًا، سعيًا من الدولة البطلمية لتشجيع المواطنين الإغريق على المجيء إلى مصر والاستيطان فيها. لذلك، انتعشت صناعة زيت الزَّيتون، وأصبح زيت الزَّيتون المصري يُنافس الأنواع المُستوردة، إذ لم يكن اليونانيون يرضون ببديلٍ عنه في طعامهم. كما ازداد الاهتمام بصناعة النَّبيذ، خاصةً في الإسكندرية والفيوم والمناطق المحيطة، واشتُهرت العديد من المأكولات البحرية، كالتونة، والجمبري، والمَحار.

وتتزامن بداية العصر اليوناني في مصر مع ظهور الدجاج والفول، إذ كشفت أعمال التّنقيب عن وجود بقايا للفول تعود إلى ذلك العصر، مع زيادة ملحوظة في استخدامه في العصر الرُّوماني. كما تبنَّى البطالمة مشروع "الإسكندر" القائم على اتّخاذ مصر نقطة التقاء للتّجارة الدولية، فعملوا على مضاعفة الموانئ على ساحل البحر الأحمر. ومن جهة أخرى، ظلَّت "البيرة" تحتلُّ مركز الصدارة بين المشروبات المصرية في عهدهم، حتى إنهم خصَّصوا لحوانيت البيرة مركزًا قانونيًّا منفصلًا. وورد في منشورات "بطليموس الثاني" إعفاء أصحاب تلك الحوانيت من تقديم مَسكن للجنود المرتزقة، رغم أنَّ اليونانيين لم يعرفوا "البيرة" سابقًا، وكانوا يُطلقون عليها اسم "النَّبيذ المصنوع من القمح".

لم يكن التأثير من طرفٍ واحد؛ فكما أخذ المصريون عن الإغريق، أخذ هؤلاء عن مصر العلوم، والفلسفة، وتشريعات القانون، بل وحتى ما يُعرف اليوم بـ"المسامط". فكلمة "مسمط" في القاموس تعني موضعًا يُقدَّم فيه أسقاط الماشية كالكرش والأكارع، وهي أجزاء من الحيوان يُطلق عليها اليوم "حلويات". والكلمة مشتقَّة من الفعل "سَمَطَ"، أي عملية تغميس الذبيحة في الماء الحار، وهي الطريقة المستخدمة في طبخ تلك الأجزاء، ويعود الفضل في انتشارها إلى تديُّن القدماء المصريين وحرصهم على تقديم القرابين.

> "بعد أن يسلخوا الثور، ويفرغوا من الصلوات، يُخرجون المصارين كلَّها، ولكنَّهم يتركون داخل الجسم الأحشاء والدهن، ثمَّ يقطعون الأرجل والأطراف والأكتاف والرقبة، وبعد أن يقوموا بهذا، يملأون بقيَّة جسم الثور خُبزًا طاهرًا، وعسلًا، وزبيبًا، وتينًا، وبخورًا، ومرًّا، وغيرها من الطِيب، ثمَّ يسكبون عليه زيتًا كثيرًا، ثمَّ يحرقونه. وهم يصومون قبل التضحية، ويضرب الجميع صدورهم أثناء احتراق التضحية. فإذا ما فرغوا من ضرب صدورهم، يوضع أمامهم الطعام، وهو ما أُبقي عليه من جسم الذبيحة."
>
> -         (هيرودوت)

وقد عُثر على طبق كُلى مطبوخة كجزءٍ من التَّقدِمات الجنائزيَّة في قبرٍ من قبور الأسرة الثانية. كما تكشف العديد من الرسوم الفنيَّة عن المصريين وهم يَغلُون سيقان الماشية (الكوارع) في مراجل واسعة. وعُثر كذلك على كميَّة كبيرة من عظام سيقان الحيوانات، من الرُّكبة إلى الكعب، في موقع أثريٍّ كان مخصَّصًا للقمامة، ويعود إلى عصر الأسرة الرابعة. والمثير أنَّ الباحثين المصريين القائمين على دراسة تلك النفايات الأثرية، حينما وصلت إليهم تلك الكميَّات الهائلة من العظام، لمعت في رؤوسهم جميعًا فكرة واحدة: "شوربة الكوارع".

فما يحتوي عليه طبق "حساء الكوارع" من نسبة عالية من البروتينات، والدهون الصِّحيَّة، والسعرات الحرارية، والكولاچين، جعله غذاءً مثاليًّا للرياضيين، ولكلِّ من يبذل جهدًا بدنيًّا شاقًّا، مثل عمَّال بناة الأهرام، الذين كانوا أَولى به من الآلهة.

كما تركت لنا الدولة المصرية القديمة العديد من الرسومات صورت طبخ قطع لحم داخل أوانٍ كبيرة، في إشارة لاعتمادهم -وقتها- على ما يُشبه "اليخنة"؛ إذ كانت وسيلة مناسبة للاستفادة من خواصّ اللحم والخضار الموجودين في الشوربة، ومضاعفة الكميَّة لإطعام عدد كبير من البشر، خاصةً في حالة العمَّال الذين تولّوا نقل أحجار الأهرامات.

> "طِبقًا لهذه الأصناف، يجري تداور الصحون وهي تحتوي على عدَّة أنواع من اللحوم المحضَّرة مع الماء، الأقدام والرَّأس والآذان والفكوك، بالإضافة إلى الأحشاء والكرش والألسنة، بما يتوافق مع العادة الجارية في محلات الإسكندرية التي تُسمَّي محلات اللحوم المغليَّة."
>
> (أثينيوس)

وبجانب "حلويات المَسمط"، اشتهرت الإسكندرية أيضًا بالحلويات المخبوزة بالعسل واليَنسون والسمسم والفواكه، والتي كانت تُشكَّل على هيئة كرات، وقد ذُكرت في كتاب "مائدة الحكماء". كما كتب عالم النباتات الإغريقي "ثاوفراستس" عن ثلاثة أنواع من المخبوزات المصرية، احتوت مكوِّناتها على الدوم، واللوتس، ونوعٍ من الفاكهة غير المعروف. ظهرت آثار هذه العادات الغذائيَّة الجديدة جليًّا في المومياوات؛ إذ تبيَّن ارتفاع نِسَب تسوُّس الأسنان من ٣٪ إلى ٢١٪ في العصر اليوناني الرُّوماني، وذلك عندما هجر الكثيرون "البيرة"، التي كانت تحتوي على مضادات حيوية طبيعية مثل التتراسكلين، لصالح "النَّبيذ".

وتقول الأسطورة اليونانية إنَّ الإله "ديونيسوس" جلب النَّبيذ معه من البحر الأحمر إلى اليونان، ولهذا أصبح إله الخمر والبهجة. لكنَّ "ديونيسوس" لم يكن وحده في رحلته، بل كان برفقته العديد من الرجال، من بينهم "مارون"، الخبير في زراعة العنب، والذي مات في مصر أثناء تلك الرحلة. وقد دُفن "مارون" بالقرب من مكان غنيٍّ جدًّا بالكروم يُدعى "مريوط"، ويُرجَّح أن يكون هذا المكان قد أخذ اسمه من تلك الأسطورة. ولو كان "مارون" شخصية حقيقية، لكان فخورًا بالمكان الذي سُمِّي باسمه؛ إذ كان النَّبيذ المريوطي (الذي عُرف أحيانًا بالنَّبيذ السَّكندري) من أجود أنواع النَّبيذ المصري، خاصةً في العصرين اليوناني والرُّوماني. وقد أشاد به الكُتَّاب، مثل "أثينيوس"، الذي قال:

> "الكروم في هذه المنطقة وفيرة، والعنب رائع للأكل، فالنَّبيذ المصنوع منه أبيض وممتاز، ورائحته جميلة، خفيف وسهل الهضم، لا يُسكر بسرعة، كما أنَّه مُدرٌّ للبول."

ظلَّ النَّبيذ الخاص بإقليم المريوطية محتفظًا بشهرته قرونًا طويلة، حتَّى مجيء الحملة الفرنسية، وقد ذُكر في كتاب "وصف مصر". لذلك، لم يكن من الغريب أن يُعدَّ من الأنواع الباهظة التي لا يقدر عامَّة الشعب على شرائها، إذ اعتاد هؤلاء على "البيرة"، أو في بعض الأحيان، على الأنواع الرخيصة من النَّبيذ.

على الجانب الآخر، تعامل كثير من الرَّحالة الإغريق والرُّومان مع "البيرة" بنظرةٍ طبقيَّة، واعتبروها مشروب الفقراء. ويعود هذا التَّمييز إلى وفرة الحُبوب التي لم تكن تكفي فقط لاحتياجات المصريين، بل كانت تُصدَّر بكميَّات هائلة. على العكس من "النَّبيذ"، الذي لم يكن يُصدَّر منه إلَّا القليل، نظرًا لعملية إنتاجه الطويلة التي كانت تتطلَّب مزيدًا من الرعاية والاهتمام والعمل.

لاحظ "أثينيوس" عادةً لدى المصريين، وهي تناول الكرنب المسلوق مع النَّبيذ لتقليل حدَّة آثار السُكر. وبالرَّغم من حرصهم على عدم الإفراط في الشُّرب، فإنَّ الحال في الأعياد كان مختلفًا. إذ يصف لنا "أثينيوس" مظاهر الاحتفال بالإله "ديونيسوس" في الإسكندرية، في فترة حكم "بطليموس الثاني"، وكان من أبرزها وجود "عصَّارة نبيذ" ضخمة، طولها ٣٦ قدمًا، وعرضها ٢٢ قدمًا ونصف، موضوعة على عربة يَجرُّها ٣٠٠ رجل، إلى جانب أوانٍ كبيرة تحمل مئات اللترات من النَّبيذ في داخلها.

وبالطبع، فإنَّ هذه الكميَّات الهائلة من الخمر تُشير إلى الشُّرب بلا حساب. كما أنَّ وجود أوانٍ مخصوصة لخلط النَّبيذ، يدلّ على كثرة أنواعه، التي كانت تُقسَّم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: نبيذ الشمال (الدلتا والإسكندرية)، ونبيذ الجنوب (الصعيد)، ونبيذ الواحات الغربية والفيوم.

لم يكن الهدف الوحيد من النَّبيذ -لدى المصريين- الانغماس في لذَّته. فقد ذُكر الكثير عن فوائده في البرديَّات الطبية، وأثره في رفع كفاءة الجهاز الهضمي وعلاج فقدان الشَّهيَّة. أمَّا في حياة اليونانيين، كان النَّبيذ إكسير الحياة الذي يحل كلَّ المشكلات ويعالج الأمراض كافَّة.

انتهي الحكم اليوناني معلنًا مجيء حقبة جديدة رومانية الملامح، لكن هذا لا يعني انتهاء الأثر الثقافي، ولا انقطاع الوجود اليوناني تمامًا، فبعد عدَّة قرون، سيظهر رجل يوناني يُدعى "جناكليس"، يُنشئ مصنعًا للنَّبيذ، ويزرع العنب بنفسه، مسهمًا في انتقال صناعة النَّبيذ من المنازل والمحلات الصغيرة إلى المصانع الكبيرة. وللمفارقة، اختار أن يُقيم مصنعه في منطقة الدلتا، التي كانت معروفة بجودة نبيذها في العصر اليوناني. شأنه في ذلك شأن يونانيين آخرين تركوا بصمةً واضحةً في حياة المصريين، وعلى موائدهم.


لا يُستعمل سكينٌ يونانيٌّ، ولا يذوق لحم ثور طاهر إذا كان مقطوعًا بسكينٍ يونانية." هذه كانت نظرة المؤرخ هيرودوت للمصريين، بل ونظرة العالم كله، فقد كان معروفًا عنهم تمسكهم الشديد بديانتهم وأسلوب حياتهم، وإدراكهم لتفوقهم وتحضرهم، وهذا ما جعلهم ينظرون للآخر الغريب على أنه دون المستوى. لذلك، وبالرغم من تواجد اليونانيين من سنة 663 ق.م في مصر وازدياد عددهم مع دخول الفرس، كانت طريقة الأكل التي لا تتفق مع الطريقة المصرية تعد عارًا، حتى أن دخول المعابد المصرية كان محرمًا على اليونانيين والأجانب بوجه عام. نقطة التحول حدثت عندما ظهر "الإسكندر الأكبر" على الساحة في صورة المخلص والبطل المنقذ من اللعنة المسماة بالفرس. تمتع "الإسكندر" بالذكاء الكافي لكسب ود الشعب من خلال إظهار احترامه لعقيدتهم وتقاليدهم، حتى كلف نفسه مشقة السفر تحت شمس الصحراء الحارقة ليتم تنصيبه ابن الإله في معبد آمون بواحة سيوة. تعثر في بداية رحلته بقرية صيادين صغيرة تطل على البحر تُدعى "راقودة"، وقد كانت نظرته المستقبلية سببًا في مجيء الإسكندرية إلى الوجود، المدينة التي لن يحالفه الحظ ليراها وهي تبلغ أعلى درجات الشهرة والتطور بين مدن العالم القديم كلها. مات "الإسكندر" ليبدأ من بعده حكم الأسرة البطلمية الذين أثروا في الحياة الزراعية في مصر بشكل مباشر وواضح. قدموا "الساقية" و"لولب أرخميدس" وهو أداة أكثر فاعلية من الشادوف، استصلحوا العديد من الأراضي الصحراوية وأحضروا نوع قمح جديد لكنه لم ينافس القمح المصري (القمح المصري القديم عُرف بقمح الإيمر ولم يعد موجودًا). بفضلهم، انتشرت زراعة الزَّيتون أكثر من ذي قبل، وتعرَّف المصريون إلى الكمثرى، والخوخ، والتفاح، والمشمش، ونوعٍ من الحمضيَّات يُشبه الليمون، ونوعٍ من أنواع الكريز، بالإضافة إلى بعض المكسَّرات، مثل الجَوز والبندق. كما تم استيراد بذور الكرنب من جزيرة "رودس" لتحسين زراعته في مصر، في حين أمدَّتها مصر بالقمح. كان الهدف من تلك التَّغييرات هو إمداد العدد الكبير من السُّكَّان اليونانيين في مصر بكل المواد الغذائيَّة التي اعتادوا عليها ويستخدمونها دومًا، سعيًا من الدولة البطلمية لتشجيع المواطنين الإغريق على المجيء إلى مصر والاستيطان فيها. لذلك، انتعشت صناعة زيت الزَّيتون، وأصبح زيت الزَّيتون المصري يُنافس الأنواع المُستوردة، إذ لم يكن اليونانيون يرضون ببديلٍ عنه في طعامهم. كما ازداد الاهتمام بصناعة النَّبيذ، خاصةً في الإسكندرية والفيوم والمناطق المحيطة، واشتُهرت العديد من المأكولات البحرية، كالتونة، والجمبري، والمَحار. وتتزامن بداية العصر اليوناني في مصر مع ظهور الدجاج والفول، إذ كشفت أعمال التّنقيب عن وجود بقايا للفول تعود إلى ذلك العصر، مع زيادة ملحوظة في استخدامه في العصر الرُّوماني. كما تبنَّى البطالمة مشروع "الإسكندر" القائم على اتّخاذ مصر نقطة التقاء للتّجارة الدولية، فعملوا على مضاعفة الموانئ على ساحل البحر الأحمر. ومن جهة أخرى، ظلَّت "البيرة" تحتلُّ مركز الصدارة بين المشروبات المصرية في عهدهم، حتى إنهم خصَّصوا لحوانيت البيرة مركزًا قانونيًّا منفصلًا. وورد في منشورات "بطليموس الثاني" إعفاء أصحاب تلك الحوانيت من تقديم مَسكن للجنود المرتزقة، رغم أنَّ اليونانيين لم يعرفوا "البيرة" سابقًا، وكانوا يُطلقون عليها اسم "النَّبيذ المصنوع من القمح". لم يكن التأثير من طرفٍ واحد؛ فكما أخذ المصريون عن الإغريق، أخذ هؤلاء عن مصر العلوم، والفلسفة، وتشريعات القانون، بل وحتى ما يُعرف اليوم بـ"المسامط". فكلمة "مسمط" في القاموس تعني موضعًا يُقدَّم فيه أسقاط الماشية كالكرش والأكارع، وهي أجزاء من الحيوان يُطلق عليها اليوم "حلويات". والكلمة مشتقَّة من الفعل "سَمَطَ"، أي عملية تغميس الذبيحة في الماء الحار، وهي الطريقة المستخدمة في طبخ تلك الأجزاء، ويعود الفضل في انتشارها إلى تديُّن القدماء المصريين وحرصهم على تقديم القرابين.

"بعد أن يسلخوا الثور، ويفرغوا من الصلوات، يُخرجون المصارين كلَّها، ولكنَّهم يتركون داخل الجسم الأحشاء والدهن، ثمَّ يقطعون الأرجل والأطراف والأكتاف والرقبة، وبعد أن يقوموا بهذا، يملأون بقيَّة جسم الثور خُبزًا طاهرًا، وعسلًا، وزبيبًا، وتينًا، وبخورًا، ومرًّا، وغيرها من الطِيب، ثمَّ يسكبون عليه زيتًا كثيرًا، ثمَّ يحرقونه. وهم يصومون قبل التضحية، ويضرب الجميع صدورهم أثناء احتراق التضحية. فإذا ما فرغوا من ضرب صدورهم، يوضع أمامهم الطعام، وهو ما أُبقي عليه من جسم الذبيحة."

-         (هيرودوت) وقد عُثر على طبق كُلى مطبوخة كجزءٍ من التَّقدِمات الجنائزيَّة في قبرٍ من قبور الأسرة الثانية. كما تكشف العديد من الرسوم الفنيَّة عن المصريين وهم يَغلُون سيقان الماشية (الكوارع) في مراجل واسعة. وعُثر كذلك على كميَّة كبيرة من عظام سيقان الحيوانات، من الرُّكبة إلى الكعب، في موقع أثريٍّ كان مخصَّصًا للقمامة، ويعود إلى عصر الأسرة الرابعة. والمثير أنَّ الباحثين المصريين القائمين على دراسة تلك النفايات الأثرية، حينما وصلت إليهم تلك الكميَّات الهائلة من العظام، لمعت في رؤوسهم جميعًا فكرة واحدة: "شوربة الكوارع". فما يحتوي عليه طبق "حساء الكوارع" من نسبة عالية من البروتينات، والدهون الصِّحيَّة، والسعرات الحرارية، والكولاچين، جعله غذاءً مثاليًّا للرياضيين، ولكلِّ من يبذل جهدًا بدنيًّا شاقًّا، مثل عمَّال بناة الأهرام، الذين كانوا أَولى به من الآلهة. كما تركت لنا الدولة المصرية القديمة العديد من الرسومات صورت طبخ قطع لحم داخل أوانٍ كبيرة، في إشارة لاعتمادهم -وقتها- على ما يُشبه "اليخنة"؛ إذ كانت وسيلة مناسبة للاستفادة من خواصّ اللحم والخضار الموجودين في الشوربة، ومضاعفة الكميَّة لإطعام عدد كبير من البشر، خاصةً في حالة العمَّال الذين تولّوا نقل أحجار الأهرامات.

"طِبقًا لهذه الأصناف، يجري تداور الصحون وهي تحتوي على عدَّة أنواع من اللحوم المحضَّرة مع الماء، الأقدام والرَّأس والآذان والفكوك، بالإضافة إلى الأحشاء والكرش والألسنة، بما يتوافق مع العادة الجارية في محلات الإسكندرية التي تُسمَّي محلات اللحوم المغليَّة."

-         (أثينيوس) وبجانب "حلويات المَسمط"، اشتهرت الإسكندرية أيضًا بالحلويات المخبوزة بالعسل واليَنسون والسمسم والفواكه، والتي كانت تُشكَّل على هيئة كرات، وقد ذُكرت في كتاب "مائدة الحكماء". كما كتب عالم النباتات الإغريقي "ثاوفراستس" عن ثلاثة أنواع من المخبوزات المصرية، احتوت مكوِّناتها على الدوم، واللوتس، ونوعٍ من الفاكهة غير المعروف. ظهرت آثار هذه العادات الغذائيَّة الجديدة جليًّا في المومياوات؛ إذ تبيَّن ارتفاع نِسَب تسوُّس الأسنان من ٣٪ إلى ٢١٪ في العصر اليوناني الرُّوماني، وذلك عندما هجر الكثيرون "البيرة"، التي كانت تحتوي على مضادات حيوية طبيعية مثل التتراسكلين، لصالح "النَّبيذ". وتقول الأسطورة اليونانية إنَّ الإله "ديونيسوس" جلب النَّبيذ معه من البحر الأحمر إلى اليونان، ولهذا أصبح إله الخمر والبهجة. لكنَّ "ديونيسوس" لم يكن وحده في رحلته، بل كان برفقته العديد من الرجال، من بينهم "مارون"، الخبير في زراعة العنب، والذي مات في مصر أثناء تلك الرحلة. وقد دُفن "مارون" بالقرب من مكان غنيٍّ جدًّا بالكروم يُدعى "مريوط"، ويُرجَّح أن يكون هذا المكان قد أخذ اسمه من تلك الأسطورة. ولو كان "مارون" شخصية حقيقية، لكان فخورًا بالمكان الذي سُمِّي باسمه؛ إذ كان النَّبيذ المريوطي (الذي عُرف أحيانًا بالنَّبيذ السَّكندري) من أجود أنواع النَّبيذ المصري، خاصةً في العصرين اليوناني والرُّوماني. وقد أشاد به الكُتَّاب، مثل "أثينيوس"، الذي قال:

"الكروم في هذه المنطقة وفيرة، والعنب رائع للأكل، فالنَّبيذ المصنوع منه أبيض وممتاز، ورائحته جميلة، خفيف وسهل الهضم، لا يُسكر بسرعة، كما أنَّه مُدرٌّ للبول." ظلَّ النَّبيذ الخاص بإقليم المريوطية محتفظًا بشهرته قرونًا طويلة، حتَّى مجيء الحملة الفرنسية، وقد ذُكر في كتاب "وصف مصر". لذلك، لم يكن من الغريب أن يُعدَّ من الأنواع الباهظة التي لا يقدر عامَّة الشعب على شرائها، إذ اعتاد هؤلاء على "البيرة"، أو في بعض الأحيان، على الأنواع الرخيصة من النَّبيذ. على الجانب الآخر، تعامل كثير من الرَّحالة الإغريق والرُّومان مع "البيرة" بنظرةٍ طبقيَّة، واعتبروها مشروب الفقراء. ويعود هذا التَّمييز إلى وفرة الحُبوب التي لم تكن تكفي فقط لاحتياجات المصريين، بل كانت تُصدَّر بكميَّات هائلة. على العكس من "النَّبيذ"، الذي لم يكن يُصدَّر منه إلَّا القليل، نظرًا لعملية إنتاجه الطويلة التي كانت تتطلَّب مزيدًا من الرعاية والاهتمام والعمل. ولاحظ "أثينيوس" عادةً لدى المصريين، وهي تناول الكرنب المسلوق مع النَّبيذ لتقليل حدَّة آثار السُكر. وبالرَّغم من حرصهم على عدم الإفراط في الشُّرب، فإنَّ الحال في الأعياد كان مختلفًا. إذ يصف لنا "أثينيوس" مظاهر الاحتفال بالإله "ديونيسوس" في الإسكندرية، في فترة حكم "بطليموس الثاني"، وكان من أبرزها وجود "عصَّارة نبيذ" ضخمة، طولها ٣٦ قدمًا، وعرضها ٢٢ قدمًا ونصف، موضوعة على عربة يَجرُّها ٣٠٠ رجل، إلى جانب أوانٍ كبيرة تحمل مئات اللترات من النَّبيذ في داخلها. وبالطبع، فإنَّ هذه الكميَّات الهائلة من الخمر تُشير إلى الشُّرب بلا حساب. كما أنَّ وجود أوانٍ مخصوصة لخلط النَّبيذ، يدلّ على كثرة أنواعه، التي كانت تُقسَّم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: نبيذ الشمال (الدلتا والإسكندرية)، ونبيذ الجنوب (الصعيد)، ونبيذ الواحات الغربية والفيوم. لم يكن الهدف الوحيد من النَّبيذ -لدى المصريين- الانغماس في لذَّته. فقد ذُكر الكثير عن فوائده في البرديَّات الطبية، وأثره في رفع كفاءة الجهاز الهضمي وعلاج فقدان الشَّهيَّة. أمَّا في حياة اليونانيين، كان النَّبيذ إكسير الحياة الذي يحل كلَّ المشكلات ويعالج الأمراض كافَّة. انتهي الحكم اليوناني معلنًا مجيء حقبة جديدة رومانية الملامح، لكن هذا لا يعني انتهاء الأثر الثقافي، ولا انقطاع الوجود اليوناني تمامًا، فبعد عدَّة قرون، سيظهر رجل يوناني يُدعى "جناكليس"، يُنشئ مصنعًا للنَّبيذ، ويزرع العنب بنفسه، مسهمًا في انتقال صناعة النَّبيذ من المنازل والمحلات الصغيرة إلى المصانع الكبيرة. وللمفارقة، اختار أن يُقيم مصنعه في منطقة الدلتا، التي كانت معروفة بجودة نبيذها في العصر اليوناني. شأنه في ذلك شأن يونانيين آخرين تركوا بصمةً واضحةً في حياة المصريين، وعلى موائدهم.

المصادر والمراجع — Sources & References

  1. 7000 عام من اللذة، ياسمين وجدي
  2. The Metropolitan Museum of Arts Website
  3. • الطبخ في الحضارات القديمة، كاثي ك. كوفمان، ترجمة: سعيد الغانمي.
  4. • هيرودوت في مصر القرن الخامس قبل الميلاد، ترجمة: وهيب كامل.
  5. • الطعام في العالم القديم، جون إم. ويلكنز، وشون هيل، ترجمة: إيمان جمال الدين الفرماوي.
  6. Food: The Gift of Osiris, volume 2, by Willim J. Darby.
  7. Wine as a Medicine in Ancient Times, Zlatislav Stoyanov and others.
  8. Gifts of the Gods: A History of Food in Greece, by Andrew and Rachel Dalby.