A comprehensive archival biography of Major General Mohamed Abdel Salam El Mahgoub and his historical career in Alexandria
Eslam Ali —
الإسكندرية بين ثقل الذاكرة وضرورة البعث الحضاري
المدن الكبرى لا تُقاس فقط بمساحاتها الجغرافية أو تعدادها السكاني، بل تُقاس بقدرتها على النبض بالحياة، وبحجم الذاكرة التاريخية التي تحملها بين جدرانها وشوارعها وميادينها. ومدينة الإسكندرية، كوزموبوليتانية النشأة، وعروس البحر الأبيض المتوسط، لم تكن يوماً مجرد مدينة عابرة في كتاب التاريخ المصري، بل كانت دائماً نقطة التقاء الحضارات، وملاذ المفكرين، وقصيدة الحجر والماء التي تغنى بها كبار الشعراء. غير أن هذه العروس، ومع توالي العقود واقتراب القرن العشرين من نهايته، أصابها ما يصيب الكيانات العظيمة من ترهل؛ فاختنقت شوارعها، وتآكلت بنيتها التحتية، وزحفت العشوائيات لتخنق أطرافها وتطمس ملامحها الكلاسيكية الساحرة، حتى بات المواطن السكندري يشعر بغربة قاسية داخل مدينته التي أحبها.
في تلك اللحظة التاريخية الحرجة، وفي عام 1997 تحديداً، صدر قرار جمهوري بتعيين اللواء محمد عبد السلام المحجوب محافظاً للإسكندرية. لم يكن هذا القرار مجرد إجراء إداري روتيني لملء منصب شاغر، بل كان بمثابة إعلان عن بدء حقبة استثنائية ستُعرف لاحقاً في الوجدان السكندري بـ "عصر النهضة الحديثة". لقد جاء هذا الرجل قادماً من عوالم الظل، والصمت، والعمليات الاستخباراتية المعقدة، ليقف تحت أضواء الشمس الساطعة على شواطئ المتوسط، ويتحول بفضل إرادته وحكمته إلى "صانع بهجة"، ومهندس تعمير، وأب روحي لمدينة بأكملها.
يستقصي هذا التقرير الأرشيفي الشامل، وبأسلوب سردي قصصي تحليلي، الجذور التكوينية للواء المحجوب، ومسيرته العسكرية والاستخباراتية الأسطورية التي صقلت عقليته الإدارية. كما يغوص في أعماق منهجيته الفريدة في إدارة أزمات الإسكندرية، راصداً كيف تمكن من تحويل المدينة من مساحة تعج بالمشكلات والاختناقات إلى لوحة جدارية مفتوحة ومقصد سياحي عالمي. والأهم من ذلك، يفكك التقرير سر تلك الحالة الصوفية النادرة من العشق المتبادل بين "المحجوب" وأهالي الإسكندرية، ليُحفظ هذا السجل كوثيقة تاريخية في أرشيف المدينة، شاهداً على أن بناء الحجر لا يستقيم أبداً دون بناء جسور المحبة والثقة مع البشر.
الفصل الأول: الجذور والتكوين.. مصنع الرجال في حقبة التحولات الكبرى
تبدأ خيوط الحكاية من عمق الدلتا المصرية، حيث الأرض الخصبة التي أنجبت خيرة عقول مصر. في عام 1935، وفي مدينة "محلة دمنة" التابعة لمحافظة الدقهلية، وُلد محمد عبد السلام المحجوب. كانت تلك الحقبة حبلى بالتحولات السياسية والاجتماعية في مصر والعالم أجمع؛ إرهاصات حرب عالمية ثانية، وغليان وطني ضد الاستعمار، وتشكيل وعي جديد لجيل أخذ على عاتقه لاحقاً عبء تحرير الإرادة الوطنية وبناء الدولة الحديثة.
في هذا المناخ المشحون بالوطنية، تشكل وعي الفتى الشاب، ليقرر الانخراط في السلك العسكري، المؤسسة التي كانت ولا تزال تمثل العمود الفقري للدولة المصرية. التحق المحجوب بالكلية الحربية، ليتخرج فيها عام 1955 حاصلاً على بكالوريوس العلوم العسكرية. لم يكن تخرجه مجرد بداية لمسيرة مهنية تقليدية، بل جاء في لحظة مفصلية أعقبت ثورة 1952، حيث كانت مصر تعيد بناء جيشها وعقيدتها القتالية.
<table><tbody><tr><td><strong>المرحلة التكوينية</strong></td><td><strong>التفاصيل والتواريخ التاريخية</strong></td></tr><tr><td><strong>تاريخ ومحل الميلاد</strong></td><td>عام 1935، مدينة محلة دمنة، محافظة الدقهلية.</td></tr><tr><td><strong>المؤهل الأكاديمي</strong></td><td>بكالوريوس العلوم العسكرية.</td></tr><tr><td><strong>سنة التخرج والمؤسسة</strong></td><td>1955، الكلية الحربية المصرية.</td></tr><tr><td><strong>الأثر النفسي والقيادي</strong></td><td>اكتساب الانضباط الصارم، والتخطيط الاستراتيجي، والقدرة على قراءة المشهد بوعي أمني وعسكري عميق.</td></tr></tbody></table>
هذا التكوين العسكري الصارم وضع اللبنات الأولى في شخصية المحجوب. تعلم الانضباط، وتقديس الواجب، وسرعة اتخاذ القرار تحت الضغط. غير أن الأقدار كانت تخبئ له مساراً أكثر تعقيداً وخطورة؛ مساراً يتطلب ما هو أبعد من الشجاعة العسكرية الميدانية، يتطلب دهاءً، وصبراً، وقدرة فائقة على العمل في صمت تام. هذا المسار قاده إلى الانضمام لجهاز المخابرات العامة المصرية، ليصبح واحداً من أهم صقوره في فترة من أشد فترات الصراع العربي الإسرائيلي دموية وتعقيداً.
الفصل الثاني: رجل الظل الأسطوري.. "الريس زكريا" وملفات الأمن القومي
لا يمكن لأي باحث أو مهتم بتاريخ مدينة الإسكندرية أن يفهم العبقرية الإدارية التي أدار بها اللواء المحجوب المدينة لاحقاً، دون الولوج أولاً إلى تلك الغرفة السرية في حياته؛ مسيرته كضابط مخابرات من الطراز الرفيع. فقد تميزت عملياته الاستخباراتية بالنجاح الباهر والأسطوري منذ نكسة يونيو 1967 وحتى ما بعد نصر أكتوبر 1973. في عالم المخابرات، كان المحجوب يُعرف بقدرته الفذة على الصبر الطويل، والتواضع الشديد، والمهنية العالية التي لا تقبل الخطأ، وهي صفات جوهرية في إدارة العمليات شديدة التعقيد، خاصة تلك التي تتضمن زرع وتجنيد وتأمين عملاء مزدوجين في قلب أجهزة استخبارات العدو.
ملحمة جمعة الشوان: الرقص مع الذئاب في أثينا
ارتبط اسم اللواء المحجوب في الذاكرة الشعبية والوطنية المصرية بواحدة من أعظم وأشهر العمليات المخابراتية في تاريخ الصراع الحديث، وهي عملية الجاسوس المصري المزدوج أحمد الهوان، المعروف إعلامياً وتاريخياً باسم "جمعة الشوان". في هذه الملحمة، حمل المحجوب الاسم الحركي الخالد "الريس زكريا"، وهو الدور الذي برعت الدراما المصرية في تخليده عبر مسلسل "دموع في عيون وقحة"، حيث جسد شخصيته ببراعة الفنان الراحل صلاح قابيل.
بدأت خيوط هذه العملية بلقاء درامي وإنساني عميق في العاصمة اليونانية أثينا. كان الشوان قد غادر مدينته السويس، التي دمرتها حرب 1967، واتجه إلى اليونان بحثاً عن طوق نجاة وفرصة عمل، وتقطعت به السبل هناك وعانى من الجوع والتشرد. في تلك اللحظة القاسية، اقترب منه المحجوب متخفياً، مدعياً أنه مجرد رجل بسيط من محافظة دمياط يبحث بدوره عن عمل. بلغت دقة التخفي والتعاطف الإنساني المدروس أن المحجوب، حين رأى حالة الشوان الرثة، عرض عليه شراء ساعته الشخصية ليمنحه ثمن طعام يسد به جوعه في غربته.
عندما التقطت رادارات جهاز الموساد الإسرائيلي حاجة الشوان، وحاولت تجنيده للعمل ضد وطنه، استيقظ الضمير الوطني داخل الشوان، وتوجه فوراً إلى مقر المخابرات المصرية بالقاهرة ليبلغهم بالأمر. وهناك، كانت المفاجأة الكبرى بانتظاره؛ الضابط الكبير المكلف بإدارة قضيته لم يكن سوى "الريس زكريا"، الرجل الدمياطي البسيط الذي التقاه في أثينا، والذي ابتسم له وأعاد إليه ساعته، ليصبح منذ تلك اللحظة ضابط الحالة والمسؤول المباشر عنه.
أدار المحجوب هذه العملية الاستخباراتية المعقدة انطلاقاً من اليونان ببراعة منقطعة النظير، بعيداً تماماً عن أعين ورادارات محطة تجسس الموساد القوية والمنتشرة هناك. كان المحجوب هو العقل المدبر وراء تدريب الشوان على كيفية خداع أجهزة كشف الكذب المتطورة في تل أبيب، وهي خطوة تطلبت إعداداً نفسياً وعصبياً يقترب من المستحيل.
توجت هذه الملحمة بنجاح استراتيجي مزلزل، حين استطاعت المخابرات المصرية، عبر الشوان والمحجوب، الحصول على أسرع وأصغر جهاز لاسلكي في العالم في ذلك الوقت للاتصال والتراسل، والذي لم يكن يوجد منه في حوزة الموساد سوى أربعة أجهزة فقط على مستوى العالم. هذا الاختراق لم يوفر لمصر وسيلة اتصال آمنة فحسب، بل أدى إلى ارتباك غير مسبوق وزلزال داخل أروقة الموساد استمر لسنوات طويلة، دافعاً إياهم بحالة من البارانويا إلى التخلص من العديد من عملائهم المخلصين وضباطهم، خوفاً من حجم الاختراقات المصرية العميقة لصفوفهم. وعندما قررت المخابرات المصرية إنهاء العملية، أرسلت برقية شكر ساخرة للموساد على جهازهم المتقدم، لتنتهي قصة من أعظم قصص الخداع الاستراتيجي.
عملية الحفار: تدمير أحلام العدو الاقتصادية
لم تقتصر بطولات اللواء عبد السلام المحجوب على زرع وإدارة العملاء، بل امتدت إلى العمليات اللوجستية والتخريبية شديدة التعقيد. فبعد نكسة 1967، سعت إسرائيل بغطرسة لاستغلال آبار البترول في خليج السويس وشبه جزيرة سيناء المحتلة، واستأجرت حفاراً بحرياً ضخماً لتنفيذ هذه المهمة. قررت القيادة المصرية في ذلك الوقت تدمير الحفار في إحدى الدول الأفريقية المضيفة قبل وصوله إلى إسرائيل ومياهه الإقليمية.
لعب اللواء المحجوب دوراً محورياً وأساسياً في هذه العملية عبر تسهيل شحن وتهريب المتفجرات اللازمة لنسف الحفار. استخدم المحجوب ابتكارات استخباراتية وعلمية مذهلة للتمويه؛ حيث قام بوضع الألغام والمعدات التدميرية داخل حقائب سفر عادية، وقام بتغطية الألغام بمادة كيميائية خاصة ومبتكرة تمنع كافة أجهزة الكشف والتفتيش الأمنية في المطارات من كشف محتواها. ولضمان نجاح المهمة ودقة التنفيذ، ابتكر طريقة لإخفاء أقلام التفجير الدقيقة داخل علبة أقلام أنيقة جداً، وضعها ببساطة في جيب الجاكيت الذي كان يرتديه الشوان (أو المنفذون)، ليعبر بها كافة النقاط الأمنية بسلام وبرود أعصاب لا نظير له.
إنقاذ ياسر عرفات وحماية القيادة السياسية المصرية
تعكس مسيرة المحجوب الممتدة قدرته الاستثنائية على إدارة الأزمات الجيوسياسية الحساسة التي تمس أمن المنطقة بأسرها. فخلال أحداث "أيلول الأسود" الدامية في الأردن، كُلف المحجوب بمهمة بدت شبه مستحيلة: تهريب الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وإنقاذ حياته من الحصار. تميز أداء المحجوب هنا بالتخطيط الاستباقي، حيث دخل كضابط ميدان إلى الأردن قبل بدء العملية بشهور كاملة لترتيب الأوضاع ودراسة المسارات، ونجح بالفعل في إخراج عرفات بسلام تام وفي سرية مطلقة. وفي سياق متصل بقدرته على فك الاحتجازات، نُسب إليه لاحقاً دور محوري وعملية معقدة في تخليص وتهريب أسر معارضين ليبيين كان العقيد معمر القذافي يحتجزهم كرهائن في العاصمة طرابلس للضغط على معارضيه المقيمين في القاهرة.
وعلى صعيد حماية الأمن القومي الداخلي والقيادة السياسية المصرية، برز دور المحجوب الحاسم والمصيري في عام 1995، أثناء محاولة الاغتيال الدنيئة التي تعرض لها الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. بصفته نائب مدير المخابرات المصرية في ذلك الوقت، كان المحجوب هو صاحب الإصرار القاطع والقرار الصارم بضرورة اصطحاب السيارة المصفحة الخاصة بالرئيس من القاهرة في تلك الرحلة الخارجية، رغم التعقيدات اللوجستية. هذا القرار الاستراتيجي الذي نبع من قراءة أمنية ثاقبة للمشهد، كان هو السبب المباشر الذي أنقذ حياة مبارك من وابل الرصاص الذي استهدف موكبه. كما كان له دور كبير في تقليص حدة التوتر بين مصر والسودان عقب تلك الحادثة، والقيام بزيارات مكوكية لتهدئة الأوضاع الإقليمية.
<table><tbody><tr><td><strong>أبرز العمليات المخابراتية</strong></td><td><strong>الدور الذي لعبه اللواء عبد السلام المحجوب</strong></td></tr><tr><td><strong>عملية جمعة الشوان (الريس زكريا)</strong></td><td>ضابط الحالة، التجنيد من أثينا، تدريب العميل على خداع جهاز كشف الكذب، والحصول على أحدث جهاز لاسلكي لضرب شبكات الموساد.</td></tr><tr><td><strong>عملية الحفار الإسرائيلي</strong></td><td>تسهيل شحن المتفجرات، ابتكار التمويه الكيميائي لحجب الألغام عن أجهزة الكشف، وتهريب أقلام التفجير.</td></tr><tr><td><strong>تهريب ياسر عرفات</strong></td><td>الدخول للأردن كضابط ميدان قبل أحداث أيلول الأسود بشهور، وتأمين خروج الزعيم الفلسطيني بسلام.</td></tr><tr><td><strong>محاولة اغتيال أديس أبابا (1995)</strong></td><td>الإصرار الاستباقي على شحن واصطحاب السيارة المصفحة للرئيس مبارك، مما أدى لإنقاذ حياته من الاغتيال المحقق.</td></tr></tbody></table>
إن هذه الخلفية الاستخباراتية الثرية والعميقة لم تكن مجرد فصل من فصول الماضي العسكري، بل كانت البوتقة التي انصهرت فيها شخصية المحجوب الإدارية والسياسية. لقد علمته المخابرات كيف يقرأ ما وراء الوجوه، وكيف يبتكر حلولاً غير تقليدية للمشكلات المستعصية، وكيف يبني شبكات من الولاء والثقة المتبادلة، وكيف ينفذ خططه بهدوء وصمت استراتيجي. كل هذه المهارات المتراكمة سيحتاجها بشدة عندما يُكلف بمهمة إعادة النبض والحياة إلى مدينة الإسكندرية المنهكة.
الفصل الثالث: الانتقال إلى العمل المدني.. التمهيد لولاية العاصمة الثانية
لم يكن الانتقال من العمل المخابراتي السري إلى الإدارة المحلية الجماهيرية أمراً يسيراً، لكن المحجوب كان قد أُعد لذلك جيداً. بدأ التدرج المدني والسياسي للواء المحجوب بتوليه مهام ملحق عسكري خارجي في عدة سفارات مصرية حول العالم، مما أكسبه بُعداً دبلوماسياً وانفتاحاً على ثقافات إدارية مختلفة. ثم شغل منصب نائب رئيس الأمن القومي خلال الفترة من 1992 إلى 1994، حيث أدار ملفات حيوية تمس استقرار الدولة.
كانت هذه المناصب الرفيعة بمثابة الجسر الآمن للعبور من العمل السري المغلق إلى فضاء الإدارة العامة المفتوح على الجماهير. وفي عام 1994، صدر قرار بتعيينه محافظاً للإسماعيلية. في تلك المحافظة الهادئة، أظهر المحجوب كفاءة إدارية واضحة، وقدرة على التواصل مع المواطنين، مما مهد له الطريق للقفزة الكبرى.
في عام 1997، صدر القرار الجمهوري المفصلي بتعيين اللواء محمد عبد السلام المحجوب محافظاً للإسكندرية. في ذلك اليوم، لم تستقبل الإسكندرية مجرد مسؤول تنفيذي أو موظف حكومي جديد، بل استقبلت "صانع نهضة" سيعيد صياغة أبجديات إدارتها، ليمكث في موقعه إحدى عشرة سنة متصلة (حتى عام 2006)، حفر خلالها اسمه في وجدان وعقول كل بيت سكندري.
الفصل الرابع: الإسكندرية قبل المحجوب.. تشخيص المرض الجسيم
لفهم حجم الإنجاز الأسطوري الذي حققه المحجوب، يجب تسليط الضوء بموضوعية على الحالة المزرية التي كانت ترزح تحتها مدينة الإسكندرية قبل توليه المسؤولية في عام 1997. كانت المدينة تعاني من أمراض حضرية مزمنة كادت أن تقضي على رونقها التاريخي.
عانت المدينة من اختناقات مرورية رهيبة شلت حركتها تماماً، خاصة طريق الكورنيش، الشريان الأهم للمدينة، والذي لم يتجاوز عرضه في ذلك الوقت 8 أمتار فقط، مما جعل المرور فيه، خاصة خلال فصل الصيف مع تدفق المصطافين، رحلة من العذاب اليومي والاحتراق النفسي للمواطنين.
إلى جانب ذلك، احتلت الأسواق العشوائية الميادين التاريخية الكبرى كميدان محطة مصر (ميدان الشهداء) وميدان المنشية، محولة إياها إلى بؤر للتلوث والفوضى. البنية التحتية من شبكات صرف صحي ومياه شرب كانت متهالكة وغير قادرة بالمرة على استيعاب التمدد العمراني والزيادة السكانية المطردة.
أما الكارثة الكبرى فتمثلت في مساكن الصفيح والعشوائيات، كمنطقة "الكرنتينة" ومساكن الحضرة الملاصقة لخط السكة الحديد، والتي شكلت أحزمة فقر وتشوه بصري وحضاري، ومفرخة للمشاكل الأمنية والاجتماعية. الأسوأ من ذلك كله كان الشعور العام بالإحباط واليأس لدى المواطن السكندري، وتراجع الإحساس بجماليات المدينة التي طالما عُرفت كمنارة للثقافة والفنون، وكأن المدينة قد استسلمت لشيخوختها.
الفصل الخامس: ثورة البنية التحتية وإعادة هندسة الواجهة البحرية
أدرك المحجوب، بعقليته الاستراتيجية التي لا تعترف بأنصاف الحلول، أن حل مشكلات الإسكندرية لا يكمن في المسكنات الموضعية أو وعود التجميل السطحية، بل يتطلب جراحات هيكلية جريئة وعميقة، حتى وإن واجهت هذه الجراحات مقاومة مبدئية أو خوفاً من التغيير. وكان مشروعه الأكبر، والأكثر جرأة وتأثيراً، هو تطوير وتوسعة طريق الكورنيش.
ملحمة توسعة الكورنيش: استعادة البحر
كان طريق الكورنيش يمثل الشريان الرئيسي وواجهة المدينة، ولكنه تحول إلى عنق زجاجة خانق يقتل متعة رؤية البحر. اتخذ المحجوب قراراً استراتيجياً وحاسماً بتوسعة الكورنيش من 8 أمتار ليصبح طريقاً حراً بعرض يتراوح حتى 20 متراً في بعض قطاعاته.
لم يكن هذا المشروع مجرد عملية صب للأسفلت، بل كان تحدياً هندسياً وبيئياً هائلاً. تطلب الأمر التغلب على معارضة مجتمعية وبعض الأصوات التي خشيت من المساس بمساحات الشواطئ الرملية أو التأثير المحتمل على الآثار الغارقة تحت مياه المتوسط. غير أن إرادة المحافظ، المستندة إلى رؤية مستقبلية عميقة لضرورة توفير سيولة الحركة المرورية، مضت بالمشروع إلى نهايته بنجاح ساحق.
غيّر هذا المشروع العملاق ملامح المدينة بالكامل. لقد فتح الرئة التي تتنفس منها الإسكندرية، ووفر سيولة مرورية استمرت لعقود بعد تنفيذه، ليعيد للمدينة قدرتها على استيعاب ملايين المصطافين والزوار سنوياً دون أن تصاب بالشلل المروري المعتاد، وأعاد للمواطن حقه في كورنيش يليق بتاريخ العاصمة الثانية.
أيقونة العصر الحديث: كوبري ستانلي
ولدت من رحم مشروع توسعة الكورنيش، وتحديداً استجابة لتحدي جغرافي معقد، فكرة عبقرية أخرى. ففي منطقة ستانلي العريقة بحي شرق الإسكندرية، كان شكل الخليج المتعرج يمثل عائقاً أمام التوسعة التقليدية للكورنيش بالطمر. هنا، تجلت الحلول المبتكرة للمحجوب بقرار إنشاء أول جسر يخترق مياه البحر في تاريخ الإسكندرية: "كوبري ستانلي".
تم إسناد تنفيذ هذا المشروع القومي لشركة "المقاولون العرب"، الرائدة في مجال التشييد، وجرى افتتاحه رسمياً في احتفال مهيب في 2 سبتمبر 2001. صُمم الكوبري بمواصفات هندسية فريدة وعالية التحمل، حيث بلغ عرضه 21 متراً، وارتكز بثبات على 10 ركائز مائية عملاقة تضرب في أعماق البحر.
لكن العبقرية الحقيقية لكوبري ستانلي لم تقتصر على وظيفته المرورية الحيوية في القضاء الفوري على التكدس الخانق بتلك النقطة، بل امتدت لتشمل تصميمه المعماري البديع. فقد أصر اللواء المحجوب، بحسه الفني والتاريخي، على أن يكون التصميم متناغماً مع الروح الكوزموبوليتانية العريقة للمدينة، فاختير له الطراز المعماري الفلورنسي الإيطالي المستوحى من قصر المنتزه، بأبراجه المميزة وتفاصيله الجمالية.
مع تزويده بمنظومة إضاءة ساحرة ليلاً تعكس أضواءها على أمواج البحر، تحول كوبري ستانلي في غضون أشهر قليلة من مجرد هيكل خرساني ومسار للسيارات، إلى أهم المعالم السياحية والأثرية الحديثة في المدينة. بات الكوبري وجهة رئيسية لعشاق الإسكندرية، وممراً سياحياً للمشاة لالتقاط الصور التذكارية. كما لفت أنظار صناع السينما، فظهر كبطل مكاني يعبر عن الإسكندرية الحديثة في العديد من الأعمال السينمائية (مثل فيلمي "صايع بحر" و"الدادة دودي").
وفي دلالة سوسيو-ثقافية ووجدانية شديدة العمق، أصبح الكوبري مقصداً للآلاف من المحبين في "عيد الحب" من كل عام، حيث يجتمعون فوقه ويلقون الورود الحمراء منه إلى مياه البحر، مما يعكس نجاح المحجوب الساحق في خلق مساحات وجدانية ورومانسية جديدة ارتبطت بها ذاكرة السكان والزوار على حد سواء.
<table><tbody><tr><td><strong>التفاصيل الفنية والتاريخية</strong></td><td><strong>كوبري ستانلي (أيقونة عهد المحجوب)</strong></td></tr><tr><td><strong>تاريخ الافتتاح الرسمي</strong></td><td>2 سبتمبر 2001.</td></tr><tr><td><strong>الجهة المنفذة للمشروع</strong></td><td>شركة المقاولون العرب.</td></tr><tr><td><strong>الأبعاد والركائز الهندسية</strong></td><td>العرض 21 متراً، يرتكز بقوة على 10 ركائز مائية.</td></tr><tr><td><strong>الطراز المعماري والفني</strong></td><td>الطراز الفلورنسي الإيطالي المتناغم مع تراث المدينة.</td></tr><tr><td><strong>الأثر الحضري والاجتماعي</strong></td><td>القضاء على التكدس المروري تماماً، تكوين واجهة سياحية عالمية، وارتباط وجداني كمقصد للعشاق والسينما.</td></tr></tbody></table>
الفصل السادس: فك شفرة الاختناقات.. هندسة النقل والمواصلات
لم يقف طموح اللواء المحجوب عند حدود البحر وتطوير الكورنيش، بل امتد مشرط الجراح الخاص به إلى شرايين المدينة الداخلية التي كانت تعاني من تصلب مزمن. لمعالجة التكدس المروع في وسط المدينة ومحطة مصر، نفذ خطة استراتيجية شاملة لنقل وتطوير مواقف النقل الجماعي.
أسس المحجوب "الموقف الجديد" المجمع والضخم في منطقة محرم بك الاستراتيجية على أطراف وسط المدينة. صُمم هذا الموقف لخدمة آلاف المواطنين يومياً بكفاءة عالية، مما أدى فوراً إلى تفريغ حركة النقل الثقيل والميكروباصات من الطرق الداخلية الضيقة، خاصة ميدان محطة مصر، مخففاً العبء والزحام عن قلب المحافظة بشكل جذري وملموس.
وبالتوازي مع ذلك، أنشأ موقف السوبرجيت في منطقة سيدي جابر بوسط المحافظة لتسهيل السفر بين المحافظات. ولم يغفل التراث السكندري، فعمل على تزيين وتطوير محطات الترام العريقة التي تميز طابع الإسكندرية، فضلاً عن إنشاء حزمة من الكباري المحورية، مثل كوبري محمد نجيب، وتطوير الأنفاق كنفق "الطفولة السعيدة" لزيادة انسيابية الحركة المرورية وفصل حركة المشاة عن المركبات.
الفصل السابع: الهندسة الاجتماعية العميقة والقضاء على الأحزمة العشوائية
تعد العشوائيات القنبلة الموقوتة لأي مدينة كبرى. وقد تميزت سياسة اللواء المحجوب في التعامل مع هذا الملف الشائك بمزيج عبقري من الحزم الإداري والنزعة الإنسانية والأبوية. لم يعتمد أبداً على لغة الجرافات العمياء للتهجير القسري، بل اعتمد فلسفة "البديل الحضاري اللائق".
في منطقة الحضرة، بقلب المدينة، كانت توجد مساكن الصفيح المقامة بشكل عشوائي وخطير على ضفة شريط القطار. هذه البؤر كانت تشوه المظهر الحضاري للمدينة وتفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية والصحية. أصدر المحجوب قراره الشجاع بإزالة هذه العشوائيات بالكامل، ولكنه في الوقت ذاته، وبشكل استباقي، وفر بدائل سكنية كريمة وآمنة للمواطنين بنقلهم فوراً إلى مساكن مجهزة في منطقة "عبد القادر".
كما امتدت يده القوية لتطوير مناطق كانت تُعتبر بؤراً للموبقات ومأوى للخارجين عن القانون بسبب إهمالها لسنوات طويلة، مثل منطقة "الكرنتينة" وشارع محمد نجيب. أرسل المحجوب معدات المحافظة لفتح شوارع جانبية واسعة لتخفيف الضغط، مطوراً المنطقة بشكل عام لتحويلها إلى نسيج حضري آمن ونظيف، وناقلاً سكان البؤر الخطرة لمساكن آدمية.
وشملت التطويرات المجتمعية حواري وأزقة تاريخية شعبية كـ "حارة البلقطرية"، التي تم رصفها وإنارتها، والتي لم تكن تعرف الأرصفة الممهدة أو الاهتمام الحكومي قبل عهده. هذا التدخل العميق لم يكن مجرد تطوير عمراني، بل كان إعادة دمج لفئات مهمشة في النسيج المجتمعي للمدينة، مما عزز من شعورهم بالانتماء، ورفع من رصيد المحافظ الشعبي بشكل غير مسبوق.
الفصل الثامن: الاقتصاد الابتكاري.. نظرية "المخالفة المُقننة" والمشاركة المجتمعية
أحد أهم الأسئلة البديهية التي تطرح نفسها عند استعراض هذا الكم الهائل والضخم من المشروعات التنموية ومشاريع البنية التحتية هو: من أين جاء التمويل في ظل ميزانيات حكومية ومحلية عادة ما تكون محدودة ومقيدة؟ هنا، تبرز العقلية الابتكارية البراغماتية لرجل المخابرات الذي يعرف جيداً كيف يدير الموارد المتاحة، وكيف يصنع من الأزمة فرصة.
ابتكر اللواء المحجوب مصطلحاً إدارياً وتمويلياً فريداً وشديد الذكاء عُرف بـ "المخالفة المُقننة" في مجال تراخيص البناء. كانت الإسكندرية تعاني من فوضى البناء المخالف للارتفاعات من قبل بعض المقاولين. بدلاً من الدخول في معارك هدم لا تنتهي قد تضر بكتلة سكنية كبيرة، سمح المحجوب (في إطار حدود معينة قابلة للاستيعاب الهندسي) للمقاولين بالبناء وإدخال المرافق، ولكن مقابل تبرعات مادية مالية كبيرة، "مقننة" ورسمية تصب في حسابات المحافظة، تُدفع عن كل دور مخالف يتم بناؤه. تم تجميع هذه المبالغ الطائلة في صناديق رسمية تابعة للمحافظة، وتم توجيهها بالكامل وبشفافية لتمويل المشروعات التنموية العملاقة، وتوسعة الكورنيش، وبناء الكباري، وتجميل الميادين.
ورغم الجدل القانوني الذي قد يثيره هذا المفهوم لدى الأكاديميين، إلا أنه على أرض الواقع كان حلاً براغماتياً سحرياً أتاح للمحافظة موارد سيادية مستقلة وضخمة لبناء بنيتها التحتية، بعيداً عن انتظار روتين الموازنة العامة للدولة.
إلى جانب هذا الابتكار التمويلي، أدرك المحجوب مبكراً أهمية رأس المال الاجتماعي وضرورة إشراك القطاع الخاص الوطني. نجح، بفضل ذكائه الشخصي، ومصداقيته، وكاريزمته الطاغية، في استقطاب كبار رجال الأعمال في الإسكندرية، وجمعيات المجتمع المدني الفاعلة كـ "جمعية رجال أعمال إسكندرية" (التي ترأس مجلس إدارتها شخصيات بارزة مثل محمد هنو)، لتبني مشروعات تجميل الميادين وإدارة وتطوير الشواطئ. هذا التلاحم العبقري بين الإدارة المحلية ورأس المال الوطني خلق حالة من المسؤولية المجتمعية المشتركة التي سرّعت من وتيرة إنجاز المشروعات وأعادت للإسكندرية رونقها.
الفصل التاسع: اللوحة المفتوحة.. تجميل الميادين والجداريات ونظافة البيئة
لم تكن رؤية المحجوب مقتصرة على صب الخرسانة وتعبيد الطرق؛ بل كان يمتلك حساً فنياً مرهفاً، وميولاً للتذوق الجمالي وحب الرسم، وهو ما وظفه ببراعة لتحويل الإسكندرية إلى مساحة بصرية مريحة للعين والنفس.
أطلق المحافظ حملة كبرى لا مثيل لها لتجميل وتجديد 71 ميداناً في مختلف أحياء المحافظة، امتدت من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
- تطوير قلب المدينة التاريخي: شمل التطوير الميادين التاريخية كميدان المنشية، وميدان الشهداء بمحطة مصر. في ميدان محطة مصر، أرسى القواعد للقضاء على ظاهرة الأسواق العشوائية المحيطة بالمحطة التاريخية، ووجه بإنشاء سوق حضاري متكامل وتوفير بديل حضاري منظم للباعة الجائلين، للحفاظ على أرزاقهم من جهة، واستعادة هيبة الميدان الذي يعتبر واجهة المدينة من جهة أخرى.
- تطوير المداخل الاستراتيجية وغرب المدينة: طوّر المحجوب مدخل الإسكندرية من الطريق الصحراوي، منهياً بشكل قاطع أزمة مقلب القمامة العمومي الذي لوث بصر وزوار المدينة وسمائها لسنوات طويلة، وأنشأ مكانه منطقة الأندية الاجتماعية الراقية في ما يُعرف اليوم بـ "الداون تاون". كما امتد التطوير المنهجي لغرب المدينة عبر إنشاء وتجميل ميادين متطورة كصينية الورديان، وميدان الهانوفيل في العجمي، وميدان الكيلو 21.
- ثقافة الجداريات الفنية المفتوحة: لإكساب المدينة طابعاً بصرياً وثقافياً فريداً، اهتم المحجوب بإنشاء جداريات فنية ضخمة في الميادين وعلى جدران المنشآت الكبرى، تحكي تفاصيل تاريخ المدينة. من أبرزها جدارية سور مستشفى مصطفى كامل للقوات المسلحة بمنطقة سيدي جابر، وجدارية الشاطبي، وجدارية محطة الرمل. كانت هذه الجداريات بمثابة معارض فنية مفتوحة للمواطن البسيط في الشارع، تعمق شعوره بالانتماء لتاريخ مدينته العريق، وترقى بالذائقة البصرية العامة.
النظافة والبيئة: رؤية استباقية سابقة لعصرها
في قطاع البيئة والنظافة العامة، كان اللواء المحجوب رائداً ومبتكراً كعادته. يُعتبر أول محافظ في مصر يفكر بشكل علمي ومنهجي في تطبيق منظومة "إعادة تدوير المخلفات" واستخراج قيمة اقتصادية منها.
ولمواجهة أزمة القمامة المتفاقمة التي شوهت شوارع المدينة في فترات سابقة، بادر المحجوب بقرار جريء تمثل في استقدام والتعاقد مع شركة فرنسية أجنبية متخصصة لجمع القمامة من المنازل والشوارع والمشاركة في أعمال النظافة بالمحافظة. كانت هذه الخطوة غير مسبوقة في الإدارة المحلية المصرية، حيث أسست لمفهوم تحويل الخدمات البلدية إلى إدارة احترافية تعتمد على التكنولوجيا والمعدات الحديثة.
الفصل العاشر: فلسفة الإدارة السكندرية.. "نموذج الأتوبيس" ودبلوماسية الاحتواء
لعل أعظم إنجازات اللواء عبد السلام المحجوب، والتي ستظل تُدرس في الأكاديميات، لم تكن فقط في الكباري والميادين والشوارع، بل في المدرسة الإدارية السلوكية التي أرساها، والتي يُمكن تسميتها علمياً بـ "القيادة بالاستشعار المباشر" أو الإدارة الميدانية.
جولات الأتوبيس الصباحية: رعب البيروقراطية
رفض المحجوب تماماً الاعتماد المطلق على التقارير الورقية المكتوبة المنمقة التي تُرفع إليه في المكاتب المكيفة من رؤساء الأحياء والمسؤولين. بدلاً من ذلك، ابتكر نموذجاً إدارياً عُرف بـ "الإدارة بالأتوبيس".
كان يقوم يومياً بجمع كافة المسؤولين المعنيين بالخدمات (رؤساء الأحياء، مديري مديريات الصحة، التعليم، التموين، المرور، الصرف الصحي) في الصباح الباكر لركوب حافلة (أتوبيس) واحدة برفقته. لم يكن أحد من هؤلاء المسؤولين يعلم مسبقاً وجهة المحافظ في ذلك اليوم. يتحرك الأتوبيس، ثم يتجه فجأة إلى حي من الأحياء الشعبية النائية، ليفاجأ الجميع بأنفسهم وجهاً لوجه مع المواطنين. يقف المحافظ بنفسه على حقيقة الأوضاع المعيشية والبنية التحتية، من طفح في مشاكل الصرف الصحي، وانقطاع مياه الشرب، ومستوى رغيف الخبز في المخابز، وحركة المرور، مباشرة على أرض الواقع.
هذه الجولات الميدانية المفاجئة، الصباحية والمسائية، خلقت حالة من الاستنفار واليقظة التامة (وحتى الرعب الإيجابي) لدى الجهاز الإداري والرقابي بالمحافظة، وأزالت تماماً الفجوة التقليدية بين صانع القرار في الديوان العام ومواقع التنفيذ ومعاناة الجماهير.
سياسة الباب المفتوح والاحتواء النفسي للجماهير
في تعامله اليومي مع الجمهور، كان المحجوب يمتلك ثباتاً انفعالياً نادراً، وذكاءً اجتماعياً حاداً (ولعلها مهارات مستقاة ومصقولة من تاريخه المخابراتي كصائد للجواسيس). اشتهر بين السكندريين بأنه "المحافظ الذي لا يرد سائلاً قط". كان باب مكتبه مفتوحاً دائماً للشكاوى. وكانت تأشيراته المكتوبة بخط يده تُيسر وتسهل تخصيص الأراضي للمنافع العامة، أو حل مشاكل ارتفاعات المباني العالقة، أو استثناءات دخول المدارس للحالات الإنسانية، مما حل أعقد المشاكل اليومية للمواطنين وجعل رصيده الشعبي يتضخم بلا حدود.
وحتى في الحالات التي لا يستطيع فيها تلبية طلب مواطن لتعارضه الصارخ مع القانون، كان المحجوب يمتلك من ملكات الدهاء والاحتواء النفسي ما يجعله يستمع للمواطن بإنصات، ويقنعه بابتسامة وهدوء بالغين، ليخرج السائل من مكتبه راضياً مبتسماً رغم عدم تلبية طلبه، في ظاهرة إدارية ونفسية نادرة الحدوث.
كان المحجوب يتعامل مع الإسكندرية ومقدراتها بمنطق المأتمن الحريص؛ فكانت مقولته الشهيرة التي يرددها دائماً للمسؤولين تحذيراً وتذكيراً: "دي آمال البلد وأنا مستأمن عليها". هذا الإخلاص المطلق، وإنكار الذات، وحرصه على التعامل المباشر مع هموم البسطاء في الشوارع، خلق حالة من الارتباط الشعبي الوثيق والأسطوري به، ليصبح بحق واسماً على مسمى: "محبوب السكندريين".
الفصل الحادي عشر: الوداع والميراث.. انتقال للوزارة ورحيل أخير
لكل ملحمة نهاية، ولكن النهايات العظيمة تخلق بدايات الخلود في الذاكرة. بعد تسع سنوات كاملة من العطاء المتصل الذي غيّر وجه التاريخ الحديث للإسكندرية، وفي عام 2006، صدر القرار الجمهوري بتعيين اللواء محمد عبد السلام المحجوب وزيراً للتنمية المحلية في الحكومة المصرية.
ورغم أن هذا التعيين كان ترقية سياسية مستحقة تضع خبراته الإدارية الهائلة لخدمة وتطوير كافة محافظات الجمهورية، إلا أن نبأ رحيله عن مبنى المحافظة قوبل بموجة عارمة من الحزن والوداع الشعبي التلقائي في كافة شوارع ومقاهي الإسكندرية. أدرك المواطنون في تلك اللحظة أنهم لم يفقدوا مجرد مسؤول تنفيذي ناجح، بل فقدوا أباً روحياً، ومؤسساً للإسكندرية الحديثة، ورجلاً أعاد إليهم كرامة العيش في مدينتهم. استمر المحجوب في منصبه الوزاري، مؤدياً دوره الوطني بإخلاص، حتى غادر المنصب، تاركاً خلفه إرثاً إدارياً ووطنياً يصعب مضاهاته.
مضت السنوات، وظل اسم المحجوب يتردد في المجالس السكندرية مقروناً بالترحم والدعاء. وفي يوم الإثنين الموافق 31 يناير 2022، رحل اللواء محمد عبد السلام المحجوب عن عالمنا، مسلماً روحه لخالقها عن عمر يناهز 87 عاماً.
شُيع جثمانه الطاهر في اليوم التالي، الثلاثاء 1 فبراير 2022، من مسجد آل رشدان بالقاهرة، وسط حضور مهيب من كبار رجال الدولة، والوزراء السابقين، وأئمة الأزهر والأوقاف، وقيادات عسكرية وشرطية، وجموع من المواطنين الذين توافدوا لوداع رجل جمع بين البطولة العسكرية والمخابراتية في شبابه، وحكمة العمران والسياسة في كهولته. وفي لفتة وفاء تعكس حجم محبته، أُقيم سرادق عزاء حاشد في الإسكندرية تلقى فيه المحافظون ومحبو الراحل العزاء، تقديراً وعرفاناً لما قدمه لمدينتهم.
وتكريماً لذكراه الخالدة، وتخليداً لاسمه في ذاكرة الأجيال القادمة، أطلق المجلس التنفيذي لمحافظة الإسكندرية اسمه رسمياً على أحد الشوارع والمحاور الرئيسية الواصلة بين طريق قناة المحمودية إلى السكة الحديد، ليبقى اسمه جزءاً من الخريطة الجغرافية للمدينة كما هو محفور في خريطتها الوجدانية.
الخلاصة الختامية والتوصيات الأرشيفية
إن تجربة اللواء محمد عبد السلام المحجوب في إدارة محافظة الإسكندرية لا تمثل مجرد حقبة زمنية مرت وانقضت، بل تقدم نموذجاً تطبيقياً فذاً، وحالة دراسية متكاملة في علم الإدارة المحلية، وعلم الاجتماع الحضري، وسيكولوجية القيادة.
لقد استطاع هذا الرجل الاستثنائي أن يوظف مهاراته الاستخباراتية النادرة—من دقة الملاحظة، وسرعة اتخاذ القرار، وقراءة الواقع السوسيولوجي بدقة، والتخطيط الاستراتيجي المتأني في صمت، والقدرة على المناورة والمفاوضة—في مشروع مدني ضخم لإعادة إعمار مدينة كانت توشك على الانهيار البنيوي التام.
المحجوب لم يبنِ كباري من الخرسانة والحديد فحسب، بل بنى جسوراً متينة من الثقة والمحبة بين السلطة التنفيذية والمواطن البسيط. نجح بعبقرية عبر سياسة "المخالفة المقننة" والمشاركة المجتمعية لرجال الأعمال في خلق بدائل تمويلية خارج الصندوق، وعبر "الإدارة بالأتوبيس" كسر الحواجز البيروقراطية العتيدة، وأعاد الموظف الحكومي لخدمة الشارع.
الاستخدامات الموصى بها لهذا التقرير داخل أرشيف الإسكندرية:
- مرجعية للتخطيط العمراني وإدارة الأزمات: يجب أن تُحفظ وتُدرس مشروعات تطوير الواجهة البحرية (توسعة الكورنيش وكوبري ستانلي) والقضاء على العشوائيات (كالكرنتينة والحضرة) كحالة دراسة موثقة للجرأة في تحديث المدن التراثية دون المساس بهويتها الكوزموبوليتانية.
- أكاديميات القيادة والإدارة المحلية: تُعد منهجية "الإدارة الميدانية المباشرة" (نموذج الأتوبيس) والاتصال الجماهيري المفتوح للمحجوب مادة تدريبية خصبة وإلزامية للقيادات التنفيذية الشابة ورؤساء الأحياء.
- الذاكرة الثقافية والوطنية للمدينة: دمج القصص الإنسانية والمواقف الاستخباراتية المذهلة (تحديداً قصة الريس زكريا وجمعة الشوان، وعملية الحفار) ضمن المناهج التثقيفية والإصدارات التوثيقية لتعزيز قيم الانتماء، وإثبات أن بطل الحرب وعوالم الظل الاستخباراتية، يمكن أن يكون هو ذاته بطل التنمية والتعمير والجمال. لقد دخل اللواء محمد عبد السلام المحجوب تاريخ الإسكندرية من أوسع أبوابه المضيئة، ليس بسطوة المنصب، ولا بسيف السلطة، بل بسلطة الإنجاز الخالص، والمحبة الصادقة، والانحياز المطلق للمواطن، ليظل اسمه محفوراً كصاحب الأيادي البيضاء التي بعثت الروح في عروس البحر الأبيض المتوسط لتستعيد مكانتها وبريقها كـ "لؤلؤة الشرق" في العصر الحديث.