The Blind Lighthouse of El Mex
Eslam Ali —
فنار المكس الأعمى: النشأة، التكوين المعماري، التشريح الوظيفي، وأسباب الأفول
يمثل فنار المكس القديم، المعروف شعبياً وتاريخياً بـ "فنار المكس الأعمى" (El Fanara El Amya / Blind Lighthouse)، حالة دراسية استثنائية وعميقة تجمع بين التراث الصناعي البحري، والتحولات التكنولوجية السريعة في هندسة الموانئ، والدراما الوجودية للآثار المهملة التي فقدت غايتها الأساسية في الحياة.
الموقع الجغرافي والنشأة التاريخية
تأسس هذا الفنار التاريخي بالتزامن وبشراكة هندسية مع فنار المكس العالي في الفترة الممتدة بين عامي 1890 و 1891، وتم افتتاحه للعمليات الملاحية الرسمية كمشروع حيوي في عام 1894، بتكلفة مالية مدمجة مع الفنار العالي قدرت بـ 3600 جنيه مصري. تم اختيار موقعه بدقة جغرافية وملاحية فائقة ليكون مبنياً على قمة جزيرة صخرية صغيرة تقبع قبالة الساحل مباشرة، إلى الغرب من حي المكس، وتبعد عن اليابسة مسافة تقدر بنحو 150 متراً. ويحدد موقعه الفلكي الدقيق من قبل هيئات المساحة البحرية عند الإحداثيات 31°09′25″ شمالاً و 29°50′51″ شرقاً. في سنوات مجده الأولى، كان الفنار متصلاً باليابسة المجاورة عبر جسر خشبي متين يسهل وصول المشغلين، وحراس الفنار، وفرق الصيانة اليومية، إلا أن هذا الجسر تحطم وانهار تماماً مع مرور الزمن بفعل العوامل الجوية القاسية والأمواج العاتية التي تضرب المنطقة في نوات الإسكندرية الشتوية المشهورة، مما جعل الوصول إلى الفنار مقتصراً حصرياً على القوارب الصغيرة في الوقت الراهن.
التكوين المعماري والخصائص الإنشائية: جدلية التوثيق والتعديلات
تتفاوت المصادر التاريخية والسجلات الهندسية في وصف الهيكل المعماري الدقيق والمورفولوجي لفنار المكس الأعمى، وهو تفاوت لا يعكس بالضرورة خطأً في التوثيق، بل يعكس على الأرجح سلسلة التعديلات الإنشائية والترميمات التي طرأت عليه خلال فترة خدمته القصيرة أو التدهور التدريجي الذي لحق به لاحقاً بعد هجرانه.
تشير مجموعة من التوثيقات والمقالات المعاصرة إلى أن الفنار عبارة عن برج خرساني ضخم سداسي الأضلاع (Hexagonal concrete tower) يبلغ ارتفاعه الكلي 11 متراً (نحو 36 قدماً)، وينتهي في أعلاه بقبة مخروطية الشكل (Conical dome) تعرضت لانهيار جزئي أو تدمير كامل في الفترات اللاحقة نتيجة الإهمال. كما تُجمع هذه المصادر على أن البرج السداسي كان مطلياً بالكامل باللون الأسود الكثيف لجعله علامة بحرية داكنة تبرز بوضوح وسط زبد البحر الأبيض، غير أن هذا الطلاء قد بهت وتقشر بشدة نتيجة الإهمال والتعرض المستمر للأملاح والبيئة البحرية القاسية.
في المقابل، تقدم سجلات معمارية أخرى (وخاصة الدراسات الأكاديمية الصادرة عن جمعيات التراث الملاحي بالإسكندرية) وصفاً هندسياً مختلفاً، حيث تميل إلى اعتبار الهيكل مكوناً بشكل أساسي من كتل الحجر الرملي الأبيض (White sandstone)، بارتفاع يقارب 14 متراً، ويتميز بوجود شرفتين للمراقبة (Two galleries) وبدون غرفة فانوس تقليدية في الأعلى، مع الإشارة المؤكدة إلى أن طلاءه الخارجي الأصلي كان يتألف من خطوط عمودية لافتة باللونين الأسود والأبيض.
يمكن للباحث المتخصص في العمارة الصناعية تفسير هذا التباين الظاهري في الوصف بأن الهيكل الحجري الأبيض المخطط يمثل المرحلة الأولى والأصلية من البناء (1890)، في حين أن التدعيم الخرساني السداسي والطلاء الأسود الكلي هما نتاج تعديل هيكلي طارئ أُجري عليه لاحقاً، ربما لتدعيمه ضد النحر البحري أو لتغيير هويته البصرية كعلامة نهارية قبل أو بعد خروجه من الخدمة الملاحية الرسمية بفترة وجيزة. ومما يعزز هذا الطرح التحليلي الإشارة التاريخية الدقيقة إلى أن الفنار، وحتى أوائل العشرينيات من القرن الماضي (أي بعد عقد كامل من إطفاء ضوئه)، كان لا يزال يستخدم رسمياً من قبل سلطات الميناء كـ "برج إشارات" (Signal Tower) نهاري، ويُشار إليه في بعض الخرائط الفرنسية والملاحية المعتمدة بـ "البرج الصغير للمكس" (petite tour de Mex).
الديناميكية الملاحية وأسباب الخروج من الخدمة (العمى الوظيفي)
خلال فترة تشغيله المضيئة التي استمرت لنحو 14 عاماً متصلة (من 1894 إلى 1908)، لعب فنار المكس الأعمى دوراً محورياً وحاسماً في تأمين دخول السفن التجارية والعسكرية العملاقة إلى منطقة البوغاز الكبير المؤدي لميناء الإسكندرية. فقد كان يعمل بانسجام تام جنباً إلى جنب مع فنار المكس العالي مشكلاً نظام أضواء دليلية (Range Lights) متطوراً، حيث كان الفنار القديم يمثل دور "الفنار الأمامي" لمسار ملاحي دقيق محدد بعناية. وعند اصطفافه بصرياً بشكل عمودي مع الفنار العالي، كان يُرشد قباطنة السفن بأمان مطلق عبر أحد الممرين الآمنين الرئيسيين المؤديين إلى الميناء التجاري.
إلا أن مسارات الملاحة البحرية، والتطورات التكنولوجية المتسارعة في هندسة بناء السفن، وفلسفة إدارة الموانئ في العصر الحديث لم تقف ساكنة. ففي مطلع القرن العشرين، ومع التحول الجذري من السفن الشراعية إلى السفن البخارية العملاقة، وازدياد الغاطس المائي لهذه السفن (Draft)، اقتضت التحديثات الهندسية في تخطيط الممرات المائية وتعميقها (Dredging) في الإسكندرية تغييراً استراتيجياً وجوهرياً في مسارات الدخول الآمنة عبر البوغاز الكبير. ونتيجة حتمية لهذه الهندسة المائية الجديدة، تم اتخاذ قرار سيادي وملاحي بتعديل زاوية خط الاقتراب الملاحي للسفن (Maritime approach line) القادمة من عرض البحر الأبيض المتوسط. لقد تقرر تغيير مسار الدخول من الزاوية السابقة البالغة 134 درجة (المتجهة نحو الجنوب الشرقي) لتصبح الزاوية الحالية والمعتمدة البالغة 113 درجة (باتجاه الشرق-جنوب شرق).
مع هذا التعديل الهندسي الدقيق والمفصلي في الزوايا الملاحية، فقد المسار القديم، الذي كان يحدده بدقة فنار المكس القديم مع الفنار العالي، وظيفته الملاحية تماماً، وأصبح الاسترشاد به يشكل خطراً لا محالة. وتنفيذاً لمعايير السلامة البحرية الصارمة، وفي اليوم الأول من شهر يناير عام 1908، تم إطفاء ضوء هذا الفنار المهيب رسمياً وبشكل نهائي. وتزامن هذا الإطفاء الدرامي مع انتهاء أعمال تشييد وافتتاح برج "فنار المكس الواطي" الجديد ليحل محله ويتولى هو دور الفنار الأمامي، متوافقاً بشكل هندسي مثالي مع زاوية الـ 113 درجة الملاحية الجديدة.
ومنذ تلك اللحظة التاريخية الفاصلة في عام 1908، أُطلق على الفنار القديم في الوجدان الشعبي والبحري لقب "فنار المكس الأعمى". يعود هذا اللقب الشعبي البليغ والمعبر إلى حقيقة مادية ومجازية تجسدت في واقعه؛ فمن الناحية المادية الصرفة، فَقَد الفنار مصدر إضاءته وروحه الوامضة، فأصبح كتلة خرسانية مظلمة (Blind) لا تبصر طريق السفن الشاردة ولا تُبصر في عتمة الليل الدامس، متقاعداً قسراً عن الخدمة بعد أن كانت نيرانه تخترق ضباب البحر العتيد وتمنح الأمل للبحارة. ومن الناحية المجازية والسوسيولوجية، يشير اللقب بمرارة إلى الإهمال والتهميش القاسي الذي طال هذا الصرح الرائد، حيث تكسرت جسوره الخشبية التي كانت تصله بالبشر، وانهارت قبته الهندسية، وتُرك وحيداً ومنبوذاً على صخرته البازلتية يواجه قسوة عوامل التعرية، رياح النوات، ورذاذ الملح دون أي محاولات جدية للترميم، أو الصيانة، أو إعادة التوظيف.