Bombardment of Alexandria 1882
نورهان —
قصف الإسكندرية 1882: الأحداث التي مهدت للاحتلال البريطاني لمصر
لا يُعد قصف الإسكندرية في 11 يوليو 1882 حادثًا منفصلًا عن سياقه، بل يمثل نقطة التحول الفاصلة التي فتحت الطريق أمام الاحتلال البريطاني. ويستند هذا العرض إلى الوثائق الرسمية المصرية، ومحاضر المحاكم المختلطة، ومراسلات الضباط البريطانيين، وتقارير لجنة التحقيق المصرية، بالإضافة إلى أرشيف الصحافة المصرية مثل الأهرام، والوثائق التي تحفظها مكتبة الإسكندرية.
المشهد السياسي قبل القصف (1869–1882)
شهدت مصر اضطرابات مالية وسياسية بدأت منذ مشروعات الخديوي إسماعيل الضخمة، وعلى رأسها قناة السويس، مما قاد إلى تعاظم الدور الأجنبي في المالية المصرية، ثم إلى عزله سنة 1879 لصالح الخديوي توفيق بضغوط أوروبية. في المقابل، ظهرت حركة وطنية بقيادة أحمد عرابي داخل الجيش تطالب بالمساواة ورفض التدخل الأجنبي، وبتقوية المؤسسات الوطنية. كانت الإسكندرية مدينة دولية واسعة النفوذ الأجنبي، مما جعلها بؤرة حساسة لأي توتر.
التصعيد قبل القصف
وصول الأساطيل الأوروبية
في 20 مايو 1882 وصلت الأساطيل البريطانية والفرنسية إلى شواطئ الإسكندرية "لحماية الأجانب". وتشير تحقيقات بلدية الإسكندرية إلى أن وجود ست سفن بريطانية وثلاث فرنسية أحدث توترًا واضحًا في المدينة. (ملاحظة: انسحب الأسطول الفرنسي لاحقًا قبل بدء القصف، تاركًا العملية بريطانية خالصة).
أحداث 11–12 يونيو 1882
اندلعت اشتباكات داخل الإسكندرية بين مصريين ومالطيين، وسرعان ما تطورت رغم تدخل الشرطة. وتظهر وثائق المحاكم المختلطة:
أن الحادثة بدأت بمشاجرة فردية (بين مكاري مالطي ورجل مصري).
أن السلطات المصرية حاولت السيطرة على الأحداث.
أن التقارير التي رفعتها القنصليات الأجنبية بالغت في تصوير الخطر على رعاياها. لم يُثبت أي تحقيق رسمي تورط الجيش المصري أو الحكومة في إشعال الفتنة، لكن بريطانيا استخدمت الحدث ذريعة للتدخل.
الإنذار البريطاني ورفضه
قدّم الأميرال سيمور إنذارًا يطالب بوقف إصلاح التحصينات الساحلية. الوثائق المصرية تؤكد أن تلك التحصينات كانت قديمة، وأن ما جرى هو مجرد صيانة لها وليس بناء تحصينات جديدة. رفضت الحكومة المصرية الإنذار باعتباره مساسًا مباشرًا بالسيادة الوطنية، ودعم أحمد عرابي موقف الدفاع.
القصف البريطاني يوم 11 يوليو 1882
مع بزوغ الفجر كانت 15 سفينة بريطانية تحاصر المدينة. وفي السابعة صباحًا بدأت عملية القصف التي استمرت أكثر من عشر ساعات.
سفن الأسطول البريطاني المشاركة في القصف
تألفت القوة المهاجمة من بارجات مُدّرعة رئيسية وزوارق حربية، أبرزها:
HMS Inflexible (قائدة الأسطول وأقوى بارجة).
HMS Alexandra (سفينة الأدميرال سيمور الرئيسية).
HMS Sultan
HMS Superb
HMS Téméraire
HMS Monarch
HMS Penelope
HMS Invincible
HMS Condor (الزورق الحربي الشهير الذي هاجم مارابو).
HMS Bittern (زورق حربي).
التحصينات المستهدفة:
رأس التين:
التفصيل: كانت تضم قصر الخديوي والبطاريات الدفاعية المحيطة به. كانت هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا للقصف للسيطرة على محيط الميناء.
الفنار (Fort Pharos):
التفصيل: تقع في الطرف الشرقي للميناء (قرب قلعة قايتباي). كانت من أقدم وأقوى الحصون، وركزت البوارج البريطانية الثقيلة نيرانها عليها بشدة.
الطابية (Al-Tabiya):
التفصيل: يُرجح أنها تشير إلى طابية العادة (Fort Ada)، وهي حصن رئيسي شارك بقوة في المقاومة ودُمرت فيه مخازن البارود ظهرًا، مما أدى إلى فقدان الجيش المصري لنقطة دفاع محورية.
المكس (Fort Mex):
التفصيل: الحصن الرئيسي الذي يحمي المدخل الغربي للميناء. دارت حوله معركة عنيفة وواجه قصفًا كثيفًا من خمس سفن بريطانية.
مارابو (Fort Marabout):
التفصيل: يقع في أقصى الغرب. اشتهر بمقاومته الشديدة، بما في ذلك مواجهته للسفينة البريطانية الصغيرة "كوندور" (HMS Condor).
المستشفى العسكري (Hospital Battery):
التفصيل: تُعرف بـ "طابية الإسبتالية". كانت مزودة بمدفعية حديثة نسبياً (أرمسترونج) وشكلت تهديداً للسفن البريطانية.
المقاومة المصرية
تشهد السجلات العسكرية المصرية على مقاومة شديدة، خصوصًا من طابية الفنار والمكس. ورغم تفوق الأسطول البريطاني تقنيًا، فقد أصيبت عدة سفن، واضطر بعضها لتغيير مواقعها.
طول المعركة
استمر القصف حتى الخامسة والنصف مساءً. دُمرت معظم البطاريات، ونفدت الذخيرة، ما أدى إلى توقف المدافع المصرية.
12 يوليو – المدينة تشتعل
وفق يوميات الإسكندرية 1882 ووثائق البلدية:
اندلعت النيران في المنشية ومناطق واسعة من وسط المدينة.
قوّت الرياح انتشار الحريق.
استمر الحريق يومين كاملين.
لم تنزل القوات البريطانية إلى البر إلا يوم 14 يوليو، عندما كانت المدينة قد أصيبت بدمار واسع ونهب في كثير من المناطق التجارية.
الخسائر
الجيش المصري: 600–700 شهيد، و250–350 جريح.
المدنيون: تقديرات غير دقيقة تشير إلى مئات الضحايا.
البريطانيون: 6 قتلى و27 جريحًا (أرقام رسمية دقيقة).
الخسائر المادية: دمار كبير في وسط الإسكندرية، تعطّل الميناء، وانهيار النشاط الاقتصادي.
تحرك الجيش البريطاني بعد القصف وانسحابه من الإسكندرية
بعد القصف واحتلال المدينة، لم تتقدم القوات البريطانية فورًا نحو الداخل. والسبب الرئيسي، وفق البرقيات البريطانية، هو:
أن الوضع في المدينة لم يكن آمنًا.
أن خطوط الإمداد لم تكن جاهزة بعد.
أن القوات المصرية كانت متمركزة في مواقع دفاعية قوية جنوب المدينة.
لهذا انسحبت القوات البريطانية داخل نطاق الإسكندرية الساحلي، وجعلت المدينة قاعدة عمليات بدلًا من نقطة اقتحام.
معارك ما قبل التل الكبير: كفر الدوار (يوليو – سبتمبر 1882)
تُجمع الوثائق المصرية والبريطانية على أن خط دفاع كفر الدوار كان من أقوى خطوط التحصين في مصر. أقامه عرابي ليمنع أي تقدم بريطاني نحو القاهرة من الشمال.
شهد خط كفر الدوار عدة معارك:
المعركة الأولى – 24 يوليو: حاولت القوات البريطانية التقدم، لكنها فوجئت بتحصينات قوية ونيران كثيفة أوقفت الهجوم تمامًا.
المعركة الثانية – 5 أغسطس: تقدمت القوات البريطانية مرة أخرى، لكن المدفعية المصرية أصابت تشكيلاتهم وأجبرتهم على التراجع.
النتيجة العامة لمعركة كفر الدوار
فشل البريطانيون في اختراق الخط الدفاعي.
تكبّدت القوات البريطانية خسائر أكبر مما ظهر في التقارير الرسمية.
اضطر البريطانيون إلى إعادة تقييم كامل لخطة الغزو.
ولذلك قررت بريطانيا الالتفاف حول القوات المصرية بدلاً من مواجهتها مباشرة، وذلك بالتقدم عبر قناة السويس، حيث الحماية البريطانية والسيطرة البحرية كانت مضمونة بعد خدعة "حياد القناة" التي واجهها أحمد عرابي من فرديناند ديليسبس.
معركة التل الكبير – 13 سبتمبر 1882
اعتمد البريطانيون خطة مباغتة:
التحرك ليلًا لمسافة طويلة عبر الصحراء.
الوصول إلى الخطوط المصرية قبل الفجر.
كانت قوات عرابي مرابطة لكنها منهكة وتفتقر للمعلومات الاستخباراتية الدقيقة بعد انسحاب الجنرال علي الروبي من مواقع الاستطلاع. في الساعة 4:30 صباحًا بدأ الهجوم البريطاني المكثف على طول الخط الدفاعي. ورغم المقاومة في بعض المواقع، فُتح خط الدفاع، خصوصًا مع ضعف الاتصالات بين الوحدات المصرية. بحلول الساعة السابعة صباحًا، كانت المعركة محسومة.
النتائج الاستراتيجية
قصف الإسكندرية لم يكن عملية معزولة، بل المرحلة الأولى لعملية احتلال شاملة:
القصف مهّد للسيطرة البريطانية على المدينة.
فشل بريطانيا في كفر الدوار دفعها لتغيير خطة الغزو.
تحرك الجيش عبر قناة السويس أدى إلى سقوط التل الكبير.
بدخول البريطانيين إلى القاهرة انتهت حقبة الاستقلال الفعلي، وبدأ النفوذ البريطاني الذي استمر سبعة عقود.
كتب عباس محمود العقاد:
"كان ضرب الإسكندرية إعلانًا بأن مصر دخلت عهدًا جديدًا، لا تملك فيه قرارها، ولا تتحكم في مصيرها."
#أرشيف_الإسكندرية
#alexandria_archive